سعيد أيوب

25

معالم الفتن

على الحق ، والحارث ما قال ذلك إلا من بريق العناوين التي يحملها هؤلاء . ولكن الإمام في إجابته أخذ الحارث بعيدا عن البريق والزخرف . فقال : يا حارث . إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك : إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس . ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه . والباطل باجتناب من اجتنبه ( 1 ) . وعلق الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال على هذا القول فقال : العاقل من يقتدي بسيد العقلاء علي كرم الله وجهه حيث قال : " لا يعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف أهله " . وإذا كانت هناك عقبات فكرية قد واجهت الإمام . فلقد رأينا كيف تعامل الإمام مع أصحاب هذا الفكر بالمنطق وإقامة الحجة . وبنفس المنطق واجه الإمام العقبات التي واجهته عند التعبئة العامة قبل الحرب ، وكما ذكرنا أن بعض الأحاديث قد ظهرت على السطح ويكمن فيها الاعتزال في غير موضعه . ومن هذه الأحاديث ما روي عن الأحنف أنه قال : خرجت وأنا أريد نصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أبو بكرة فقال : يا أحنف ارجع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . فقلت : يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : إنه قد أراد قتل صاحبه " ( 2 ) ، يقول سعيد حوي وهو يعقب على هذا الحديث : إن القتال مع علي بن أبي طالب كان حقا وصوابا . ولكن أبو بكرة حمل حديثا ورد في غير الحالة التي قاتل فيها علي . على حالة قتال علي للباغين . وهو فهم من أبي بكرة . ولكنه فهم في غير محله . ومن هذه الروايات ندرك أن عقبات متعددة واجهت عليا في معركته مع الآخرين . منها أمثال هذه الفتوى التي هي أثر من الورع أكثر منها أثر عند فتوى تصيب محلها " ( 3 ) . وورد عن الإمام علي قد حث الناس أن يعقلوا الخبر فقال : " إعقلوا الخبر

--> ( 1 ) البيان والتبين / الجاحظ 112 / 2 ، تاريخ اليعقوبي 152 / 2 . ( 2 ) رواه مسلم ( الصحيح 11 / 18 ) . ( 3 ) الأساس في السنة 1711 / 4 .